الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
39
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
لأن هذه الآية وقعت بعد الآية الأول في سورة واحدة وليس بينهما بعيد فصل فكان العلم الذي جاءه فيها من قوله : ما تَبِعُوا قِبْلَتَكَ هو جزئي من عموم العلم الذي جاء في إبطال جميع ملتهم ، فكان جديرا بأن يشار إلى كونه جزئيا له بإيراد ( من ) الابتدائية . [ 146 ] [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 146 ] الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقاً مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ( 146 ) جملة معترضة بين جملة : وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ [ البقرة : 145 ] إلخ ، وبين جملة : وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ [ البقرة : 148 ] إلخ اعتراض استطراد بمناسبة ذكر مطاعن أهل الكتاب في القبلة الإسلامية ، فإن طعنهم كان عن مكابرة مع علمهم بأن القبلة الإسلامية حق كما دلّ عليه قوله : وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ [ البقرة : 144 ] ، فاستطرد بأن طعنهم في القبلة الإسلامية ما هو إلّا من مجموع طعنهم في الإسلام وفي النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، والدليل على الاستطراد قوله بعده : وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيها [ البقرة : 148 ] ، فقد عاد الكلام إلى استقبال القبلة . فالضمير المنصوب في يَعْرِفُونَهُ لا يعود إلى تحويل القبلة لأنه لو كان كذلك لصارت الجملة تكريرا لمضمون قوله : وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ ، بل هو عائد إما إلى الرسول وإن لم يسبق ذكر لمعاد مناسب لضمير الغيبة ، لكنه قد علم من الكلام السابق وتكرر خطابه فيه من قوله : وَما جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْها [ البقرة : 143 ] ، وقوله : قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ [ البقرة : 144 ] ، وقوله : فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً [ البقرة : 144 ] ، وقوله : فَوَلِّ وَجْهَكَ [ البقرة : 144 ] فالإتيان بالضمير بطريق الغيبة من الالتفات ، وهو على تقدير مضاف أي يعرفون صدقه ، وإما أن يعود إلى الْحَقَّ في قوله السابق : لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ فيشمل رسالة الرسول وجميع ما جاء به ، وإما إلى العلم في قوله : مِنْ بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ [ البقرة : 145 ] . والتشبيه في قوله : كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمْ تشبيه في جلاء المعرفة وتحققها فإن معرفة المرء بعلائقه معرفة لا تقبل اللبس ، كما قال زهير : فهن ووادي الرس كاليد للفم تشبيها لشدة القرب البيّن .